فهم تصاعد العمل غير الرسمي
شهد سوق العمل غير الرسمي توسعًا كبيرًا خلال العقود الماضية بفعل عدم الاستقرار الاقتصادي، وتفكيك القيود، وتغير أنماط التوظيف. وعلى الرغم من أن الوظائف غير الرسمية تمنح بعض المرونة وتفتح فرصًا لمن حُرموا من العمل الرسمي، إلا أنها تقوض الأجور وظروف العمل وقوة التفاوض التي تتمتع بها النقابات العمالية.
ولا يقتصر انتشار العمل غير الرسمي على الاقتصادات النامية، بل أصبح شائعًا حتى في الدول الصناعية، حيث تزداد العقود المؤقتة، وأعمال “الجيج” (gig work)، والوظائف غير المسجلة. ومع انتقال مزيد من العمال إلى هذا القطاع، تضعف قدرة النقابات على حماية حقوقهم وتحقيق مكتسباتهم.
كيف يؤثر العمل غير الرسمي على الأجور وأمان الوظائف؟
يعمل القطاع غير الرسمي خارج الأطر القانونية والتنظيمية، مما يسمح لأصحاب العمل بتجاهل قوانين الحد الأدنى للأجور، والتهرب من تقديم المزايا، وفصل العمال دون أسباب. وهذا يؤدي إلى خفض الأجور بشكل عام في جميع القطاعات، حيث تجد الشركات الرسمية صعوبة في منافسة الأعمال التي تعتمد على عمالة رخيصة وغير محمية.
ويعاني العمال النقابيون بشدة من هذا الوضع. فمع تزايد عدد الأشخاص الذين يقبلون أجورًا أقل في القطاع غير الرسمي، تزداد قوة الشركات في رفض مطالب النقابات، مما يؤدي إلى ركود الأجور وتراجع الأمان الوظيفي حتى داخل القطاع الرسمي.
لماذا تفضل الشركات العمالة غير الرسمية؟
تلجأ الشركات إلى العمالة غير الرسمية لأنها تخفض التكاليف، وتقلل من التزاماتها القانونية، وتمنحها قوة عمل مرنة. ومن خلال عدم دفع التأمينات الاجتماعية أو الامتثال لقوانين العمل، تحقق أرباحًا أعلى مع تقليل المخاطر القانونية.
وفي قطاعات مثل البناء والزراعة والعمل المنزلي، أصبحت العمالة غير الرسمية جزءًا أساسيًا من نموذج الأعمال. حتى الشركات الكبرى تلجأ بشكل متزايد إلى التعهيد والمقاولات الفرعية التي تعتمد على عمالة غير رسمية، مما يلتف على القوانين التي كان يفترض أن تحمي العمال.
ما هي التحديات التي تواجهها النقابات في حماية العمال؟
تعتمد النقابات على عدد كبير من الأعضاء ووحدة المطالب لفرض شروط أفضل. لكن مع توسع العمل غير الرسمي، ينخفض عدد أعضاء النقابات، فتقل قوتها وتأثيرها. كما يخشى الكثير من العمال غير الرسميين فقدان وظائفهم أو التعرض للملاحقة القانونية إذا حاولوا الانضمام إلى النقابات.
بالإضافة إلى ذلك، يؤدي تجزئة قوة العمل إلى إضعاف التضامن بين العمال. فعندما يرى العمال الرسميون وظائفهم تستبدل بعمال غير رسميين، ينظرون إليهم كمنافسين وليس كحلفاء، وهو ما يخلق انقسامات داخلية تضعف موقف النقابات.
كيف يؤثر العمل غير الرسمي على ظروف العمل؟
يفتقر العمال غير الرسميين إلى العقود القانونية والحماية من ظروف العمل السيئة والمزايا مثل التأمين الصحي أو الإجازات المدفوعة. وهذا يؤثر حتى على العمال الرسميين، حيث يضغط أصحاب العمل على النقابات لقبول عقود أضعف وساعات عمل أطول ومزايا أقل بدعوى “مجاراة السوق”.
ومع انتشار العمالة غير الرسمية، يصبح من السهل على أصحاب العمل تجاهل القوانين والمعايير التي تحمي العمال، مما يؤدي إلى تدهور عام في ظروف العمل داخل مختلف القطاعات.
هل اقتصاد العمل الحر يزيد من صعوبة التنظيم النقابي؟
أدى انتشار “اقتصاد العمل الحر” أو “اقتصاد الجيج”، الذي تدعمه المنصات الرقمية، إلى طمس الحدود بين العمل المستقل والعمل المأجور. فالشركات تصنف العمال كمتعاقدين مستقلين، ما يحرمهم من حق الانضمام للنقابات رغم أنهم يؤدون عملًا خاضعًا لرقابة الشركات.
يواجه العاملون في خدمات التوصيل، والمستقلون، وعمال التطبيقات هذه المشكلة. وبسبب غياب مكان عمل موحد أو صاحب عمل محدد، يصبح من الصعب تنظيمهم أو التفاوض نيابة عنهم. وهذا يضعف النقابات ويقلص قدرتها على حماية الحقوق العمالية بشكل عام.
ما هو دور السياسات الحكومية في ضبط العمل غير الرسمي؟
تحاول بعض الحكومات إدماج العمال غير الرسميين في الاقتصاد الرسمي من خلال تسهيل إجراءات التسجيل، وتقديم الحوافز، وتشديد الرقابة. لكن ضعف تطبيق القوانين يبقى أكبر عائق، خاصة في القطاعات التي تهيمن عليها العمالة غير الرسمية.
وفي كثير من الحالات، تؤدي بعض السياسات إلى إقصاء العمال بدلًا من مساعدتهم. إذ تؤدي حملات القمع ضد العمل غير الرسمي أحيانًا إلى زيادة البطالة دون توفير بدائل رسمية، مما يدفع العمال إلى أشكال أسوأ من العمل غير المحمي.
كيف يؤثر العمل غير الرسمي على أنظمة الحماية الاجتماعية؟
يتسبب ازدهار سوق العمل غير الرسمي في إضعاف صناديق التأمينات الاجتماعية والمعاشات، نتيجة تراجع مساهمات العمال وأصحاب العمل. ومع انخفاض عدد المساهمين في هذه الأنظمة، تزداد الضغوط المالية عليها.
يتحمل العمال النقابيون جزءًا كبيرًا من هذا العبء، حيث تلجأ الحكومات إلى زيادة الاشتراكات أو تقليص المزايا أو تأخير دفع المعاشات. وكلما توسع سوق العمل غير الرسمي، تصبح شبكات الأمان الاجتماعي أكثر هشاشة، مما يؤثر على كل فئات المجتمع.
هل تساهم نماذج العمل الهجين في تفاقم العمالة غير الرسمية؟
أدى انتشار نماذج العمل الهجين، التي تجمع بين العمل من المنزل والعمل في المكاتب، إلى ظهور أشكال جديدة من العمل غير الرسمي. فبعض الشركات تعيد تصنيف موظفيها كمتعاقدين مستقلين أو عمال جزئيين، مما يحرمهم من الحماية النقابية.
ورغم أن العمل الهجين يوفر بعض المرونة، إلا أنه يقلل من الاستقرار الوظيفي ويضعف حقوق العمال. وفي ظل غياب تشريعات واضحة، تستخدم الشركات هذه النماذج للالتفاف على قوانين العمل، مما يعمق ظاهرة العمالة غير الرسمية.
ما هي الحلول الممكنة لتعزيز دور النقابات في مواجهة العمل غير الرسمي؟
لمواجهة تحديات العمل غير الرسمي، يجب على النقابات تطوير استراتيجياتها لتشمل العمال غير التقليديين. فقد بدأت بعض النقابات بالفعل في التحالف مع عمال “الجيج” والمستقلين وغير المسجلين، والدعوة إلى تشريعات تعترف بحقوقهم دون فرض قيود صارمة على طبيعة عملهم.
كما يجب أن تتبنى الحكومات إصلاحات قانونية تمنع الشركات من التهرب من التزاماتها عبر تصنيف العمال بشكل مضلل. إضافة إلى ذلك، يجب توفير حوافز للشركات التي تلتزم بتوظيف العمال بشكل رسمي، مع تعزيز التعاون الدولي نظرًا لأن العمل غير الرسمي يؤثر في سلاسل التوريد العالمية.
لماذا يشكل التصدي للعمل غير الرسمي أولوية لحماية جميع العمال؟
تجاهل تفشي العمل غير الرسمي لا يضر بالعمال غير الرسميين فقط، بل يهدد استقرار الوظائف الرسمية والنقابية. ومع اتجاه الشركات نحو عمالة أرخص وغير محمية، يواجه جميع العمال انخفاضًا في الأجور والمزايا، وضعفًا في القدرة على التفاوض.
إذا لم تتخذ النقابات وصناع القرار خطوات حاسمة لمواجهة هذا التحدي، فإن مستقبل حقوق العمال سيصبح أكثر هشاشة. ولهذا، فإن تحسين حماية العمال، وتطبيق قوانين العمل بصرامة، والتكيف مع نماذج العمل الجديدة أمور أساسية لضمان ألا تتحول العمالة غير الرسمية إلى النموذج المهيمن الذي يحدد شكل سوق العمل في المستقبل.



