كيف نشأت الحركات اليسارية في تونس؟
لعبت الحركات اليسارية دورًا حاسمًا في تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في تونس. ظهرت هذه الحركات في أوائل القرن العشرين، واكتسبت زخمًا خلال فترة النضال ضد الاستعمار الفرنسي، ثم استمرت في الدفاع عن العدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية بعد الاستقلال. مستوحاة من الأفكار الاشتراكية والشيوعية العالمية، سعت الحركات اليسارية في تونس إلى تعزيز حقوق العمال وتحقيق إصلاحات اجتماعية واقتصادية جذرية، متحدّية القوى الاستعمارية أولًا، ثم الأنظمة الحاكمة بعد الاستقلال.
التأثيرات الاشتراكية المبكرة ونشاط النقابات العمالية
تعود جذور الحركات اليسارية في تونس إلى أوائل القرن العشرين عندما بدأت الأفكار الاشتراكية تنتشر بين المثقفين والعمال. وقد لعبت النقابات العمالية دورًا أساسيًا في تعبئة العمال ضد الاستغلال، خاصةً في ظل الإدارة الاستعمارية الفرنسية. تأثرت تونس بالاتحاد العام للعمال (CGT) في فرنسا، مما مهّد الطريق لنشوء حركة عمالية محلية جمعت بين القومية والتوجهات اليسارية.
ما هو دور الحزب الشيوعي في الحراك اليساري؟
تأسس الحزب الشيوعي التونسي (PCT) عام 1920، وكان من أوائل القوى اليسارية المنظمة في البلاد. ركّز الحزب في بداياته على الدفاع عن حقوق العمال ومقاومة الاستعمار، لكنه واجه قمعًا شديدًا من السلطات الفرنسية ثم من الحكومات التونسية بعد الاستقلال. ورغم ذلك، استمر الحزب في المطالبة بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية وساهم في تشكيل المعارضة السياسية.
الاستقلال وتصاعد التوتر بين القوميين واليساريين
بعد استقلال تونس عام 1956، وجدت الحركات اليسارية نفسها في صدام مع النظام الجديد بقيادة الحبيب بورقيبة. وبينما تبنّى الحزب الحاكم سياسات التحديث والتنمية الاقتصادية، قمع المعارضة السياسية، بما في ذلك التيارات اليسارية التي طالبت بإصلاحات اقتصادية أعمق وضمان حقوق العمال. وقد شكّلت هذه التوترات جزءًا كبيرًا من المشهد السياسي في مرحلة ما بعد الاستقلال.
الشخصيات البارزة في الحركات اليسارية التونسية
أحمد بن صالح
كان أحد أبرز دعاة السياسات الاشتراكية، وتولى مناصب وزارية تحت حكم بورقيبة، حيث قاد مشاريع تعاونية واسعة النطاق في الستينيات تهدف إلى تأميم القطاعات الزراعية والصناعية. ورغم طموح هذه السياسات، إلا أنها واجهت مقاومة من الملاك والرأسماليين، مما أدى إلى الإطاحة به ووضع حد للنهج الاشتراكي الحكومي.
حمّة الهمامي
يُعدّ من أبرز الشخصيات المعارضة في تونس، حيث قاد الحزب الشيوعي العمالي التونسي (PCOT) وناضل ضد الاستبداد السياسي والسياسات الاقتصادية الليبرالية. ورغم تعرضه للسجن والملاحقة، ظلّ من الأصوات القوية الداعية إلى العدالة الاجتماعية وحقوق العمال.
محمد الشرفي
مفكر يساري وحقوقي بارز، ساهم في إصلاح النظام التعليمي خلال فترة توليه وزارة التربية في أوائل التسعينيات. دافع عن القيم العلمانية والديمقراطية، مما جعله أحد الشخصيات المؤثرة في الفكر الإصلاحي التونسي.
الحركات الطلابية وصعود اليسار الراديكالي
تحولت الجامعات التونسية إلى مراكز لنشر الفكر اليساري، خاصة خلال الستينيات والسبعينيات. برزت حركات طلابية مثل حركة “آفاق”، التي تحدّت سياسات الحكومة وطالبت بمزيد من الحريات الديمقراطية. وعلى الرغم من القمع الشديد الذي واجهته هذه الحركات، إلا أن أفكارها تركت بصمة واضحة في المشهد السياسي، وأثرت في الأجيال اللاحقة من الناشطين.
اليسار تحت حكم بن علي
خلال فترة حكم زين العابدين بن علي (1987-2011)، تعرّضت الحركات اليسارية للقمع الشديد، حيث تمّ حظر الأحزاب المعارضة، وسُجن العديد من الناشطين. لكن رغم ذلك، حافظت التيارات اليسارية على وجودها من خلال العمل السري، والنشاط داخل النقابات العمالية، ومنظمات حقوق الإنسان.
كيف ساهمت الحركات اليسارية في ثورة 2011؟
لعبت الحركات اليسارية دورًا أساسيًا في تأجيج الاحتجاجات التي أطاحت بنظام بن علي. وكان للاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT) دور بارز في تنظيم الإضرابات والتظاهرات، ما ساهم في إسقاط النظام. كما انخرطت الأحزاب اليسارية والنشطاء الاشتراكيون في الحراك الثوري، مستفيدين من خبرتهم الطويلة في معارضة الاستبداد السياسي والاقتصادي.
تطور اليسار التونسي بعد الثورة
بعد 2011، حاولت الحركات اليسارية تعزيز وجودها في المشهد السياسي الديمقراطي الجديد. وظهر “الجبهة الشعبية”، وهو ائتلاف من الأحزاب اليسارية، كمنافس قوي في الانتخابات، حيث ركّز على قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق العمال. لكنّ اليسار التونسي واجه صعوبات في كسب قاعدة جماهيرية واسعة، خاصة في ظل هيمنة الأحزاب الوسطية والإسلامية على المشهد السياسي.
هل يمكن أن تعيد الحركات اليسارية تشكيل مستقبل تونس؟
تاريخ الحركات اليسارية في تونس حافل بالنضال والتحديات، فرغم عدم تمكنها من تحقيق اختراقات سياسية كبيرة، إلا أنها تبقى قوة مؤثرة في الدفاع عن حقوق العمال والعدالة الاجتماعية. ومع استمرار الأزمات الاقتصادية والاضطرابات السياسية، هل يمكن أن تستعيد الحركات اليسارية زخمها بين الأجيال الشابة الباحثة عن بدائل للواقع السياسي الحالي؟


