ما الدور الذي لعبته الأيديولوجيا اليسارية في تاريخ تونس السياسي؟
لعبت الأيديولوجيا اليسارية دورًا بارزًا في تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في تونس. من النضال ضد الاستعمار إلى الحكومات الحديثة، أثّرت الحركات اليسارية في سياسات حقوق العمال والعدالة الاجتماعية والإصلاحات الاقتصادية. وعلى الرغم من القمع السياسي الذي تعرضت له في مراحل مختلفة، بقيت هذه الحركات نشطة في الدفاع عن التغيير التقدمي، وغالبًا ما واجهت السياسات المحافظة والليبرالية.
التأثير المبكر للحركات اليسارية
بدأت جذور الفكر اليساري في تونس خلال الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، حيث استلهم الناشطون اليساريون أفكارهم من الاشتراكية والشيوعية. لم يكن الاستقلال بالنسبة لهم مجرد هدف سياسي، بل فرصة لإحداث تغيير اجتماعي واقتصادي جذري. وبينما ركّزت الحركة الوطنية بقيادة الحبيب بورقيبة على بناء الدولة، دفعت القوى اليسارية باتجاه إصلاحات راديكالية خاصة فيما يتعلق بحقوق العمال وإعادة توزيع الثروة.
سياسات بورقيبة وتهميش اليسار
بعد الاستقلال عام 1956، تبنّت تونس نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على تدخل الدولة بقيادة بورقيبة. ورغم تطبيق بعض السياسات المستوحاة من الاشتراكية، مثل الإصلاح الزراعي والتصنيع بقيادة الدولة، سعى بورقيبة إلى توطيد سلطته وقمع المعارضة اليسارية. تعرض العديد من الناشطين اليساريين للاعتقال أو النفي، وتم تهميش دورهم مع إحكام الحزب الدستوري الجديد سيطرته على المشهد السياسي.
صعود المعارضة اليسارية في عهد بن علي
في فترة حكم زين العابدين بن علي (1987-2011)، ظلت الأحزاب اليسارية تحت القمع لكنها استمرت في العمل سرًا وفي المنفى. لعبت هذه القوى دورًا أساسيًا في مقاومة الاستبداد، حيث تحالفت مع منظمات حقوق الإنسان والاتحادات العمالية للضغط من أجل إصلاحات ديمقراطية. وكان الاتحاد العام التونسي للشغل، ذو التوجهات اليسارية، من أبرز القوى التي دافعت عن حقوق العمال والحريات السياسية.
كيف فتحت ثورة 2011 الباب أمام الأحزاب اليسارية؟
وفّرت الثورة التونسية عام 2011 فرصة تاريخية للحركات اليسارية للعودة إلى الساحة السياسية. ومع سقوط نظام بن علي، حصلت أحزاب مثل حزب العمال والجبهة الشعبية على اعتراف قانوني وشاركت في العملية الانتقالية الديمقراطية. ركّزت حملاتها على العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة وتعزيز حماية حقوق العمال، ما جعلها في مواجهة مباشرة مع القوى الإسلامية والليبرالية الجديدة.
الأحزاب اليسارية في الحُكم بعد الثورة
على الرغم من عدم تحقيقها نجاحات انتخابية كبيرة، ظلّت الأحزاب اليسارية مؤثرة في صياغة النقاشات السياسية بعد الثورة. لعبت دورًا محوريًا في صياغة دستور 2014، الذي عزز الحقوق الاجتماعية والمبادئ الديمقراطية. ومع ذلك، حدّت الانقسامات الداخلية وصعود الأحزاب الوسطية والإسلامية من قدرتها على الوصول إلى الحكم. ورغم ذلك، استمرت في النضال من أجل قوانين عمل أكثر عدالة ومقاومة السياسات التقشفية.
الاتحادات العمالية كركيزة للتأثير اليساري
يُعتبر الاتحاد العام التونسي للشغل أحد أقوى أدوات التأثير اليساري في البلاد. لم يقتصر دوره على الدفاع عن حقوق العمال، بل امتدّ إلى لعب دور سياسي في الوساطة بين الأطراف المتنازعة، والتصدي لقرارات الحكومة، وقيادة الاحتجاجات ضد الأزمات الاقتصادية. وقد جعلته هذه القدرة على التأثير طرفًا رئيسيًا في رسم السياسات الوطنية.
النضال ضد السياسات الاقتصادية الليبرالية
كانت إحدى أبرز معارك الحركات اليسارية هي التصدي لتأثير المؤسسات المالية الدولية التي تدفع بتونس نحو سياسات ليبرالية. ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية، لجأت الحكومات المتعاقبة إلى الخصخصة وخفض الدعم وتنفيذ إجراءات تقشفية مدعومة من الخارج. واجهت الأحزاب اليسارية والنقابات العمالية هذه التوجهات، معتبرةً أنها تزيد من الفجوة الاجتماعية وتضرّ بالطبقة العاملة. وأدت هذه المعارضة إلى احتجاجات وإضرابات واسعة تطالب بنهج اقتصادي بديل قائم على العدالة الاجتماعية والتنمية التي تقودها الدولة.
التحديات التي تواجه الحركات اليسارية اليوم
رغم التأثير التاريخي للحركات اليسارية، إلا أنها تواجه تحديات كبيرة في المشهد السياسي الحالي. فالانقسامات الداخلية أضعفت أداءها الانتخابي، كما أن صعود الشخصيات السياسية المستقلة غيّر من توجهات الناخبين. إضافة إلى ذلك، فإن تحقيق التوازن بين الأيديولوجيات الثورية ومتطلبات الحكم الواقعية لا يزال يشكل تحديًا رئيسيًا أمام القيادات اليسارية التي تكافح لتحويل نشاطها الاحتجاجي إلى قوة سياسية دائمة.
هل ستظل الأيديولوجيا اليسارية مؤثرة في مستقبل تونس؟
مع استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، لا تزال الحركات اليسارية تلعب دورًا مهمًا في الدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق العمال. يبقى السؤال ما إذا كانت قادرة على توحيد صفوفها وتقديم بديل حقيقي للأحزاب التقليدية. ومع تصاعد الغضب الشعبي بسبب التدهور الاقتصادي، تبدو فرصة عودة اليسار إلى الواجهة قائمة، لكن نجاحه سيعتمد على قدرته على تحديث استراتيجياته مع الحفاظ على مبادئه الجوهرية.


