البرلمان والرئاسة

ميزان القوى بين الرئيس والبرلمان: من يملك السلطة الحقيقية؟

كيف تطور النظام السياسي في تونس؟

مرت تونس بتحولات سياسية كبيرة منذ الاستقلال عام 1956. في عهد الحبيب بورقيبة، كانت الجمهورية ذات نظام رئاسي قوي، وهيمن الرئيس على جميع مؤسسات الدولة. حافظ زين العابدين بن علي على هذا النموذج، مركزًا السلطة في يده. لكن بعد ثورة 2011، تم تبني دستور 2014 الذي أنشأ نظامًا مختلطًا يجمع بين الرئاسية والبرلمانية، بهدف منع عودة الاستبداد. ورغم ذلك، فإن التحولات السياسية الأخيرة أعادت الجدل حول ميزان القوى بين الرئيس والبرلمان، مما أثار تساؤلات حول الجهة التي تمتلك السلطة الحقيقية.

توسع صلاحيات الرئيس

يتمتع رئيس الجمهورية بصلاحيات دستورية واسعة تشمل السياسة الخارجية والأمن القومي والدفاع. وعلى الرغم من أن دستور 2014 حدّ من سلطاته مقارنة بالنظام السابق، إلا أن الرئيس قيس سعيد وسّع نفوذه بشكل غير مسبوق. ففي عام 2021، استند إلى الفصل 80، معلنًا “خطرًا داهمًا”، مما أدى إلى تعليق البرلمان والحكم بالمراسيم. وأدى هذا القرار إلى إضعاف دور السلطة التشريعية وتعزيز نفوذ الرئيس. وفي عام 2022، عززت التعديلات الدستورية الجديدة هذا الاتجاه، إذ قلّصت رقابة البرلمان ومنحت الرئيس سلطة تعيين وإقالة المسؤولين الحكوميين دون قيود كبيرة.

هل لا يزال للبرلمان دور حاسم؟

كان البرلمان يُعد قوة موازنة للرئاسة، حيث يمارس الرقابة على الحكومة ويشارك في التشريع. قبل أزمة 2021، امتلك صلاحيات اقتراح القوانين وتعديلها، ومساءلة الوزراء، والموافقة على الميزانية العامة. ولكن بعد حله وإعادة تشكيله بموجب دستور 2022، تقلص دوره بشكل كبير. فقد باتت سلطته محدودة، حيث يسيطر الرئيس على معظم القرارات السياسية والاقتصادية. وأدى هذا إلى مخاوف من أن تونس لم تعد تعتمد على نظام يفصل بين السلطات بشكل حقيقي، بل أصبحت السلطة متمركزة في يد الرئيس.

دور القضاء في تحقيق التوازن بين السلطات

كان من المفترض أن يكون القضاء سلطة مستقلة تضمن التوازن بين الرئاسة والبرلمان، لكن استقلاليته أصبحت موضع تساؤل. فقد قام الرئيس بإقالة عدد من القضاة وإعادة هيكلة المجلس الأعلى للقضاء، مما حدّ من قدرته على مراقبة أداء السلطة التنفيذية. وأثارت هذه الخطوات انتقادات داخلية ودولية، حيث يرى البعض أن ضعف القضاء يزيد من تفوق السلطة التنفيذية، ويهدد بمحو الفاصل الدستوري بين السلطات.

كيف كان رد فعل الشارع التونسي؟

انقسم الشارع التونسي حول التغييرات السياسية الأخيرة. فهناك من يؤيد قرارات الرئيس، معتبرًا أنها ضرورية لإنهاء الجمود السياسي والتصدي للفساد. لكن في المقابل، يرى معارضوه أن تهميش البرلمان يمثل خطوة نحو إعادة الحكم الفردي. واستمرت الاحتجاجات والحوارات السياسية، حيث تحذر الأحزاب المعارضة من أن تونس قد تفقد مكاسبها الديمقراطية. وتظل المخاوف قائمة لدى المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية بشأن مستقبل النظام السياسي في البلاد.

كيف تؤثر العوامل الخارجية على المشهد السياسي التونسي؟

لعبت القوى الدولية دورًا في تشكيل النظام السياسي التونسي، حيث دعمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي المؤسسات الديمقراطية من خلال المساعدات المالية والدبلوماسية. ومع ذلك، أدت الأزمة السياسية إلى توتر هذه العلاقات. كما أن الضغوط الاقتصادية، خاصة شروط صندوق النقد الدولي للحصول على القروض، أثرت على القرارات السياسية. ورغم الضغوط الخارجية للدفع نحو إصلاحات ديمقراطية، فإن القيادة التونسية تركز على السيادة الداخلية، مما يعقد المشهد الدبلوماسي.

هل النظام الحالي يعزز سلطة جهة على حساب الأخرى؟

رغم أن الدساتير السابقة حاولت خلق توازن بين الرئاسة والبرلمان، فإن الواقع الحالي يميل لصالح الرئيس. فمع تقليص سلطات البرلمان، وإضعاف استقلالية القضاء، وتعزيز الحكم بالمراسيم، يبدو أن البلاد تتحرك نحو نظام أكثر مركزية. ومع غياب آليات فعالة للرقابة، تبرز تساؤلات حول مستقبل النظام السياسي، وما إذا كان سيتحول إلى حكم فردي أم ستتم استعادة التوازن بين المؤسسات.

إذا استمر هذا الاتجاه، كيف ستتطور مؤسسات الدولة، وهل يمكن استعادة ميزان القوى بين الرئيس والبرلمان في المستقبل؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى