
راشد الغنّوشي.. يفرض هذا الرجل نفسه ويثير انتباه السّاحة حين يمارس بصفته الحزبيّة كما الرسميّة كما في ظهوره كما في اختفائه، في سفره وفي تصريحاته، في حواراته وفي خرجاته بل في هاتف تهنئة لهذه الشخصيّة أو تلك.. وها هو يفرض نفسه في مرضه، وصل الأمر بخصومه إلى الدّعاء عليه بالموت.. هذا يدفعنا إلى محاولة للاقتراب من الغنّوشي الرّقم واحد في السّاحة التونسيّة منذ الثورة ومن الأرقام الأولى قبل الثورة، من أرقامها البارزة منذ اعلان 6 جوان 1981، هو أيضا من الرّموز العربيّة وأحد الفاعلين في السّاحة الإقليميّة كرجل سياسة وكمفكّر منتج في المشهد الإسلامي، هذا المشهد الذي لم يعد يعني العالم الإسلامي فحسب، لأنّ الغرب أصبح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى على الاقتراب من الإسلام المفعّل في شموليّته وليس ذلك المنكمش في دور العبادة
بعيدا عن النّوايا قريبا من السّلوك والممارسة يمكن القول أنّ الغنّوشي يعتمد بشكل كلّي على فنّ الممكن ولديه قدرة كبيرة على الاقتراب من الصّورة وفحصها ومن ثمّ التفاعل معها دون الجزع منها أو السعي إلى الهروب من تكاليفها والاحتماء بالمعاني الجميلة، وهو لا يقول بمفهوم الوفاء الحرفي والمستعجل لأهداف الثورة ولا يعمل على استخلاص الحقّ المطلق واستنقاذ العدل في حلله الزّاهية وإلى ذلك من المعاني النّبيلة التي سقط من أجلها الشّهداء وسالت في سبيلها دماء كثيرة خلّفت لأصحابها عاهات مستديمة. يبدو الغنّوشي في قطيعة مع الحقّ الثوري في كليّاته وزخمه العالي ويلوح غير مستعد إلى الانكباب على الثورة في زينتها الأولى كما لقّحها ضحى سبعطاش ديسمّبر وكما ولدتها أمسية أربعطاش جانفي، يميل الغنّوشي إلى التقسيط وربّما التقسيط المريح في الوفاء للثورة ومضامينها الجميلة، وتقضي فلسفته بالابتعاد عن الوقفات النضاليّة الكبرى واعتماد المرحلية، وهو من الشخصيّات التي تتجنّب التحشيد للّحظات الفاصلة بل يكره المفاصلة ويجنح إلى ثقافة النّفس الطويل
حين نتابع أداء الغنّوشي بإمعان تحصل لدينا قناعة أنّ زعيم النّهضة عمد إلى أهداف الثورة فقسّمها وبوّبها واعتمد أسلوب الأهمّ فالمهمّ، ورصد علامات لم يسمّيها وإنّما دلّت عليها خياراته، وضع في سلّم أولويّاته السعي إلى منع السقوط النّهائي للثورة وبالتالي العودة إلى مربّع ما قبل 17 ديسمّبر، ثمّ في درجة ثانية الحفاظ على التداول السلمي على السلطة بأنّاته وإعلامه المنحاز ولوبيّاته وسبر أرائه الماكرة، ففي ثقافة الرّجل كلّ تلك المنغّصات قابلة للتصفية مع الوقت طالما ظلّت الصناديق هي الفيصل والهيئة المشرفة حرّة ونزيهة وطالما ظلّ شبح التزوير المباشر تحت السيطرة موصودة دونه الأبواب
يوحي بل يؤكد أداء الغنّوشي أن الحريّة لديه بمثابة “عجب الذنب” والمادّة الخامّ والخميرة التي لا بديل عنها في كلّ مشاريع البناء الديمقراطي، وجميع المشاريع التي تبنى على قواعد فاقدة للحريّة مهما بدت برّاقة ومغرية فهي تختزل بذور الفناء في أحشائها، تلك مفاهيم الرّجل التي انحاز إليها والتي تقود خياراته وتبدو جليّة في جميع السياسات التي تبنّاها، وإن كان الغنّوشي يعبّر من الحين للآخر عن احترامه لانتصارات الثورة المعنويّة فإنّه ليس بالشغوف ولا يُعتبر أحد مريدي هذا النّوع من الانتصارات، وتراه يبحث عن الانتصار الملموس الذي يخلّف تبعات إيجابيّة وإن كان انتصارا خافتا منقوصا، وقد ترجم ذلك حين ارتضى الاقتراب من رموز المنظومة القديمة التي أعادها مكوّن جبهة الانقاذ إلى الواجهة ومكّنها من السلطة، وما يعنيه من انهزام معنوي للثورة في بريقها وإشعاعها، فعل ذلك مقابل الحيلولة دون وقوع الانتكاسة الكبرى أو إصابة الحريّات في مقتل قد يصعب تطبيبها وتنتهي تونس إلى ما يشابه السيناريو المصري
يقول بعض خصوم الغنّوشي أنّ زعيم النّهضة لم يتحرّك باتجاه المنظومة القديمة ويفتح معها قنوات تواصل خشية على الثورة وإنّما فعل ذلك خشية على حركته.



