اخبار اليسار

كيف شكّلت الأيديولوجيا اليسارية المشهد السياسي في تونس؟

نشأة الحركات اليسارية في تونس

لعبت الأيديولوجيا اليسارية دورًا محوريًا في تشكيل الإطار السياسي والاجتماعي لتونس. ظهرت هذه الحركات خلال النضال ضد الاستعمار، حيث حظيت الأفكار الاشتراكية والشيوعية بدعم واسع بين المثقفين والعمال والطلاب. وساهمت هذه الحركات في دعم الاستقلال، والمطالبة بحقوق العمال، وتحقيق العدالة الاجتماعية، مما أسّس لتيار سياسي ما زال مؤثرًا حتى اليوم.

كيف أثّرت الأفكار اليسارية في حركة الاستقلال التونسية؟

خلال النصف الأول من القرن العشرين، ظهر مفكرون يساريون دعموا الكفاح الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، ودافعوا عن الاستقلال الاقتصادي والاكتفاء الذاتي. شخصيات مثل أحمد بن صالح والحزب الشيوعي التونسي لعبوا دورًا في تعبئة العمال والطلاب. لم تقتصر رؤيتهم على الاستقلال فقط، بل امتدت إلى إصلاحات اجتماعية، وإعادة توزيع الثروة، ومناهضة الهيمنة الإمبريالية.

دور الاتحاد العام التونسي للشغل في تشكيل السياسات اليسارية

برز الاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT) كقوة فاعلة في المشهد السياسي، حيث دافع عن حقوق العمال، والأجور العادلة، وتأميم القطاعات الحيوية. حتى بعد الاستقلال، استمر الاتحاد في الضغط من أجل سياسات تقدمية، وكان له دور في التصدي للحكم الاستبدادي والدفاع عن الحريات.

السياسات الاقتصادية الاشتراكية وتأثيرها

في الستينيات، تبنّت تونس سياسات اقتصادية اشتراكية بقيادة أحمد بن صالح، حيث قامت الدولة بالتحكم في القطاعات الرئيسية، وتمت تجربة التعاونيات الزراعية، كما تم التركيز على التعليم والصحة. رغم تحقيق هذه السياسات لإنجازات في محو الأمية والبنية التحتية، إلا أنها واجهت مقاومة من المُلّاك والتجار، مما أدى لاحقًا إلى التراجع عنها بسبب الصعوبات الاقتصادية.

كيف تصدّت المعارضة اليسارية للحكم الاستبدادي؟

في ظل حكم الحبيب بورقيبة ومن بعده زين العابدين بن علي، تعرض النشطاء اليساريون وأحزاب المعارضة للقمع الشديد. تم سجن الكثير منهم أو نُفوا بسبب مواقفهم المناهضة للفساد وعدم المساواة. رغم ذلك، استمرت الحركات اليسارية في النشاط السري، رافعةً شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

دور الأحزاب اليسارية بعد ثورة 2011

أتاحت ثورة 2011 مساحة أكبر للأحزاب اليسارية للمشاركة السياسية. تحالفات مثل الجبهة الشعبية، التي ضمّت أحزابًا اشتراكية وشيوعية، حصلت على تمثيل برلماني. ركّزت أجندتهم على إعادة توزيع الثروة، حماية حقوق العمال، والتصدي لسياسات الليبرالية الاقتصادية التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية.

كيف تؤثر الحركات اليسارية على السياسات الاقتصادية اليوم؟

ما زالت الأحزاب والنقابات اليسارية تعارض سياسات التقشف والخصخصة، وتطالب برفع الأجور، وتعزيز القطاع العام، وزيادة الإنفاق الاجتماعي. كما تنتقد شروط القروض التي يفرضها صندوق النقد الدولي، والتي تشمل رفع الدعم وزيادة الضرائب، معتبرةً أن هذه السياسات تزيد الأعباء على الفئات الفقيرة.

المرأة واليسار: نضال مستمر من أجل الحقوق

دافعت الحركات اليسارية التونسية تاريخيًا عن حقوق المرأة. كان لليساريين دور في تمرير مجلة الأحوال الشخصية، التي منحت المرأة حقوقًا غير مسبوقة في الزواج والطلاق. كما تواصل الأحزاب اليسارية اليوم دعم المساواة في الأجور، وحق الإجهاض، ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي.

كيف أثرت الأفكار اليسارية على السياسة الخارجية لتونس؟

دعمت الحركات اليسارية التونسية عبر التاريخ التحرر الوطني ومناهضة الإمبريالية، وأبدت تضامنها مع قضايا مثل القضية الفلسطينية، وحركات التحرر في الجزائر وأمريكا اللاتينية. كما تعارض هذه الحركات التدخل الغربي في الاقتصاد والسياسة التونسية، داعيةً إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع الدول الإفريقية والعربية.

التحديات التي تواجه اليسار التونسي اليوم

رغم تأثيرهم التاريخي، تواجه الأحزاب اليسارية تحديات كبيرة، أبرزها الانقسام الداخلي، وتراجع شعبيتها، وعزوف الناخبين. أدى التدهور الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي إلى تركيز المواطنين على الحلول الفورية بدلاً من البرامج الأيديولوجية. ومع ذلك، لا تزال النقابات والناشطون التقدميون يحافظون على حضورهم من خلال الاحتجاجات، والضغط السياسي، والعمل الاجتماعي.

ساهم الفكر اليساري في تشكيل المشهد السياسي التونسي بشكل عميق، من الدفاع عن حقوق العمال إلى رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية. ومع استمرار التحديات، يبقى مستقبل اليسار التونسي مرتبطًا بقدرته على التأقلم، وتقديم حلول ملموسة، وإعادة كسب ثقة الشارع التونسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى