الأسس الأولى للنظام البرلماني في تونس
يعود تاريخ البرلمان التونسي إلى ما بعد الاستقلال عام 1956، حيث أسس الرئيس الحبيب بورقيبة نظامًا يركز السلطة في يد الرئاسة مع وجود هيئة تشريعية. كان مجلس الأمة يعمل في الغالب كهيئة تصادق على قرارات السلطة التنفيذية دون أن يكون له دور رقابي حقيقي. خلال هذه الفترة، بقيت السلطة التشريعية شكلية، مما عزز نظامًا مركزيًا تتحكم فيه القيادة التنفيذية.
سيطرة بورقيبة على البرلمان
في عهد بورقيبة، كان النظام البرلماني مجرد واجهة، حيث هيمن الحزب الاشتراكي الدستوري على المشهد السياسي دون أي منافسة حقيقية. وعلى الرغم من إجراء الانتخابات التشريعية، إلا أن غياب التعددية السياسية جعل البرلمان امتدادًا للرئاسة. كانت القوانين تصاغ داخل دوائر الحكم العليا، وتتم الموافقة عليها دون نقاش برلماني فعال.
كيف أعاد بن علي تشكيل النظام البرلماني؟
مع وصول زين العابدين بن علي إلى السلطة عام 1987، تعهد بإصلاحات سياسية، شملت منح بعض المقاعد للأحزاب المعارضة في البرلمان. لكن هذه الإصلاحات بقيت شكلية، إذ ظل مجلس النواب تحت سيطرة السلطة التنفيذية. سمح النظام بوجود تعددية سياسية محدودة، لكن الانتخابات ظلت مصممة لضمان بقاء بن علي وحزبه في السلطة.
تحول ما بعد ثورة 2011
مثلت ثورة 2011 نقطة تحول رئيسية في تطور البرلمان التونسي. بعد الإطاحة ببن علي، دخلت تونس مرحلة انتقال ديمقراطي أعادت تعريف دور البرلمان. تم انتخاب المجلس التأسيسي في 2011 لصياغة دستور جديد يضمن الفصل الحقيقي بين السلطات. شهدت هذه الفترة تنافسًا سياسيًا قويًا، ما كسر عقودًا من الحكم السلطوي.
دستور 2014 وإعادة هيكلة النظام البرلماني
أقر دستور 2014 نظامًا سياسيًا هجينًا يوازن بين سلطات الرئيس والبرلمان. أصبح مجلس نواب الشعب الجهة التشريعية الأساسية، مسؤولًا عن سن القوانين، ومراقبة الحكومة، والموافقة على الميزانية. وعلى عكس البرلمانات السابقة، امتلك هذا البرلمان سلطات فعلية، لكنه دخل في صراع متكرر مع الرئاسة، مما أدى إلى أزمات سياسية متكررة.
تحديات الحكم الائتلافي في تونس
أدى النظام البرلماني التعددي إلى ظهور حكومات ائتلافية غير مستقرة. لم يتمكن أي حزب من تحقيق أغلبية مطلقة، مما أجبر القوى السياسية المتباينة على التحالف. تسببت هذه الديناميكية في تقلبات حكومية متكررة وتعثر في صنع السياسات. أدى غياب الاستقرار إلى تآكل ثقة الشعب في البرلمان، إذ بات يُنظر إليه على أنه ساحة للخلافات أكثر من كونه مؤسسة فاعلة.
ما الذي أدى إلى تعليق البرلمان عام 2021؟
بحلول 2021، كانت الأزمة البرلمانية تتفاقم، واستغل الرئيس قيس سعيّد حالة الاستياء العام لتعليق عمل البرلمان في يوليو من ذلك العام، مستندًا إلى الفصل 80 من الدستور. برر قراره بتعطل المؤسسات وفساد الطبقة السياسية، وهو ما أدى إلى تغيير جذري في النظام السياسي، إذ انتقل الحكم من النموذج البرلماني إلى حكم رئاسي مباشر.
التعديلات الدستورية في 2022 والتحول عن النظام البرلماني
أدى الدستور الجديد لعام 2022 إلى إعادة هيكلة النظام السياسي التونسي، مما عزز من صلاحيات الرئيس على حساب البرلمان. فقد المجلس سلطاته الرقابية، وأصبحت آلياته التشريعية محدودة. عادت تونس إلى نظام رئاسي شبيه بما كان عليه قبل الثورة، مما أثار مخاوف بشأن تراجع المكتسبات الديمقراطية.
هل فقد البرلمان التونسي أهميته؟
مع تهميش دوره في النظام الجديد، تراجع تأثير البرلمان بشكل كبير. جرت انتخابات برلمانية جديدة، لكن نسبة المشاركة كانت متدنية للغاية، مما يعكس فقدان الثقة الشعبية. أدى تركيز السلطة بيد الرئاسة إلى إضعاف التوازن بين السلطات، وطرح تساؤلات حول مستقبل البرلمان كمؤسسة مستقلة.
هل يمكن للنظام البرلماني استعادة نفوذه؟
مع استمرار التحولات السياسية، يبقى مستقبل البرلمان التونسي غير واضح. قد يؤدي تصاعد الغضب الشعبي إلى المطالبة بإعادة التوازن بين السلطات. ما إذا كانت تونس ستعود إلى نموذج أكثر توازنًا في الحكم أم ستشهد مزيدًا من التمركز الرئاسي سيعتمد على مدى تحرك القوى السياسية واستجابة الشارع لمجريات الأحداث.



