البرلمان والرئاسة

دور الرئاسة في تشكيل المشهد السياسي الحديث في تونس

دور الرئاسة في تشكيل المشهد السياسي الحديث في تونس

كيف أثرت الرئاسة على التطور السياسي في تونس؟

كانت الرئاسة في قلب التحولات السياسية في تونس منذ الاستقلال. تطور دور رئيس الدولة من سلطة مركزية تحت حكم الحبيب بورقيبة إلى منصب متنازع عليه في إطار ديمقراطي متغير. قرارات الرؤساء المتعاقبين شكلت بنية الحكم والسياسات الاقتصادية والحريات المدنية، مما ترك بصمة دائمة على الهوية السياسية للبلاد.

تأسيس نظام رئاسي قوي

أرسى الحبيب بورقيبة، أول رئيس لتونس، دولة مركزية قوية. استندت قيادته إلى أيديولوجيا قومية ركزت على التحديث والتعليم والإصلاحات الاقتصادية. لكن قبضته المحكمة على السلطة أدت إلى نظام استبدادي همّش المعارضة السياسية، حيث كانت الرئاسة خلال هذه الحقبة السلطة العليا دون وجود توازن مؤسسي واضح.

تأثير حكم زين العابدين بن علي

عزز بن علي، الذي تولى الحكم عام 1987، هيمنة السلطة التنفيذية. رغم وعوده بالإصلاح السياسي، سرعان ما أقام دولة بوليسية قمعت المعارضة. ظلت الانتخابات تحت سيطرة صارمة، وعملت الأحزاب المعارضة في ظل قيود مشددة. ورغم تحقيق الاستقرار الاقتصادي لفترة، أدى تفشي الفساد وتفاقم التفاوت الاجتماعي إلى إشعال فتيل الغضب الشعبي.

ما هو دور الرئاسة في ثورة 2011؟

مثّل سقوط بن علي نقطة تحول كبرى، حيث كشفت مغادرته السريعة عن هشاشة النظام المركزي. خرج التونسيون للمطالبة بإنهاء الاستبداد الرئاسي، ما أطلق نقاشات حول شكل الحكم الأمثل. الثورة فتحت الباب أمام إعادة النظر في الصلاحيات الرئاسية، مع تزايد الدعوات لاعتماد نظام برلماني يحد من سلطة الرئيس.

التحول نحو النظام البرلماني

بعد الثورة، اعتمدت تونس نظامًا شبه رئاسي وفقًا لدستور 2014، حيث تم توزيع السلطة بين الرئيس ورئيس الوزراء. كان الهدف من هذا التعديل هو منع عودة الحكم الدكتاتوري عبر تحقيق توازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. لكن التوترات السياسية والصراعات بين المؤسستين أظهرت التحديات التي يفرضها هذا النموذج.

كيف أعاد قيس سعيّد تشكيل دور الرئاسة؟

انتُخب قيس سعيّد عام 2019 بوصفه شخصية مستقلة تتحدى النخبة السياسية التقليدية. لكن قراراته، مثل حل البرلمان في 2021 واعتماد الحكم بالمراسيم، أعادت البلاد إلى مركزية السلطة التنفيذية. يرى معارضوه أن هذه الإجراءات أضعفت المؤسسات الديمقراطية، في حين يرى مؤيدوه أنها ضرورية لإنهاء الجمود السياسي.

تأثير الرئاسة على السياسة الخارجية

لعب الرؤساء التونسيون دورًا حاسمًا في رسم علاقات البلاد الخارجية. انتهج بورقيبة سياسة عدم الانحياز ودعم الاستقرار الإقليمي، فيما ركّز بن علي على تعزيز العلاقات مع الغرب ومحاربة الحركات الإسلامية. بعد الثورة، استمر التأثير الرئاسي في الدبلوماسية، حيث تبنى قيس سعيّد نهجًا أكثر استقلالية، متجاوزًا بعض التحالفات التقليدية.

السياسات الاقتصادية ودور الرئيس

كان للرؤساء تأثير كبير على اقتصاد البلاد. اعتمد بورقيبة على نموذج التنمية الذي تقوده الدولة، مع توسيع القطاع العام وتعزيز الرفاه الاجتماعي. أما بن علي فدفع باتجاه التحرير الاقتصادي، لكنه سمح بسيطرة النخبة على الثروة. في مرحلة ما بعد 2011، واجه الرؤساء المتعاقبون أزمات اقتصادية متفاقمة، مع تزايد الديون والتضخم والبطالة. وسيعتمد استقرار تونس المستقبلي على قدرة الرئاسة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية فعالة.

هل تتجه تونس نحو حقبة سياسية جديدة؟

ما زالت الرئاسة تمثل قوة رئيسية في المشهد السياسي التونسي. يبقى التساؤل ما إذا كانت البلاد ستواصل السير في طريق تعزيز السلطة التنفيذية، أم ستشهد إعادة توازن في الصلاحيات عبر إصلاحات مؤسسية. ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، هل ستعزز المرحلة القادمة من التطور السياسي في تونس الديمقراطية، أم تعيدها إلى عهد الهيمنة الرئاسية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى