كيف أصبح التقشف جزءاً من استراتيجية تونس الاقتصادية
منذ ثورة 2011، تواجه تونس تحديات اقتصادية متواصلة تشمل ارتفاع الديون والبطالة والعجز المالي. وفي محاولة لمواجهة هذه الأزمات، تبنّت الحكومات المتعاقبة سياسات تقشفية لتلبية شروط الجهات المانحة الدولية مثل صندوق النقد الدولي. شملت هذه السياسات خفض الإنفاق العام، تقليص الدعم، وتجميد التوظيف في القطاع العام، بحجة إنعاش الاقتصاد وجذب الاستثمارات الأجنبية.
لكن النتائج المباشرة لهذه السياسات كانت تآكل الخدمات العامة وارتفاع كلفة المعيشة، ما أثر بشكل كبير على الفئات الأكثر ضعفاً مثل العائلات ذات الدخل المحدود والعاطلين عن العمل وسكان المناطق المهمشة. بدلاً من إنعاش الاقتصاد، أدى التقشف إلى زيادة معدلات الفقر وتعمّق الفجوة الاجتماعية.
ماذا يحدث عندما يتم تقليص الدعم؟
من أكثر جوانب التقشف ضرراً في تونس تخفيض الدعم على السلع الأساسية مثل الغذاء والوقود والكهرباء. وبينما تدّعي الحكومات أن هذا ضروري لتقليص العجز، فإن النتيجة الفورية هي ارتفاع أسعار السلع الضرورية بشكل حاد، مما يجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة لملايين التونسيين.
الأسر الفقيرة، التي تعتمد بشكل كبير على هذا الدعم، أصبحت عاجزة عن توفير الخبز والحليب ووسائل النقل، مما أدى إلى تدهور مستوى المعيشة بشكل غير مسبوق. وفي الوقت نفسه، بقيت الأجور راكدة وفرص العمل نادرة، مما زاد الطين بلة.
كيف تأثرت الخدمات العامة بالتقشف؟
أدت سياسات التقشف إلى تخفيضات كبيرة في ميزانيات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. تعاني المستشفيات من نقص الأدوية والموظفين، كما تعاني المدارس من ضعف الإمكانات. وبالنسبة للمجتمعات الفقيرة التي تعتمد على هذه الخدمات، أصبح الوصول إلى تعليم ورعاية صحية جيدة أمراً شبه مستحيل.
مع تجميد التوظيف في القطاع العام، تصاعدت معدلات البطالة بين الشباب بشكل غير مسبوق، لا سيما بين حاملي الشهادات الجامعية. وأدى تراجع الخدمات العامة إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي وتعميق الإحساس بالتهميش في المناطق الفقيرة.
لماذا يضر التقشف المناطق المهمشة أكثر؟
تعاني تونس من فجوة تنموية كبيرة بين المدن الساحلية والمناطق الداخلية، وسياسات التقشف فاقمت هذه الفجوة. فقد تم تقليص الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية والخدمات بالمناطق المحرومة.
في حين يمكن للمدن الساحلية تحمل بعض آثار التقشف، تعاني المناطق الداخلية من نقص حاد في المستشفيات والمدارس وفرص العمل. هذا الإهمال أدى إلى زيادة الغضب الشعبي والإحساس بالتخلي من قبل الدولة.
هل ترتفع البطالة بسبب التقشف؟
لا تزال معدلات البطالة في تونس من الأعلى في شمال أفريقيا، وسياسات التقشف تزيد الوضع سوءاً. فتجميد التوظيف الحكومي وتقليص الاستثمارات في المشاريع الكبرى يغلقان أبواب العمل المستقر أمام الشباب.
الخريجون الجدد، الذين كانوا يأملون في العمل بالقطاع العام، يجدون أنفسهم في سوق عمل لا يوفر لهم أي فرصة، ما يدفع الكثيرين للانضمام إلى الاقتصاد غير الرسمي أو الهجرة. النتيجة هي توسع شريحة الشباب العاطلين عن العمل الذين يشعرون باليأس والإحباط.
كيف تؤثر إجراءات التقشف على النساء والشباب؟
النساء والشباب يدفعون الثمن الأكبر للتقشف. فالقطاع العام كان مصدر الأمان الوظيفي الأساسي للنساء، والآن أصبح مغلقاً أمامهن. كما أن خفض الإنفاق على الصحة والتعليم يؤثر بشكل مباشر على النساء باعتبارهن المسؤولات عن رعاية الأسر.
أما الشباب، فيواجهون سوق عمل مشلول وفرصاً معدومة. ومع غياب الدعم الاجتماعي، يبقى الكثير منهم عالقين في دائرة الفقر، مما يزيد من تعرضهم لمخاطر الجريمة والتطرف.
ما دور المؤسسات الدولية في فرض التقشف؟
فرضت جهات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التقشف كشرط أساسي لمنح القروض والمساعدات المالية لتونس. وتدّعي هذه المؤسسات أن خفض الإنفاق العام وتقليص العجز المالي سيعيدان التوازن الاقتصادي.
لكن التكلفة الاجتماعية لهذه الشروط كانت مدمّرة، خاصة للفئات الهشة. بدلاً من تحفيز الاقتصاد، يؤدي التقشف إلى خفض الطلب الداخلي وشل عجلة الاقتصاد المحلي، ما يدفع المزيد من الناس نحو الفقر.
هل يوجد مقاومة شعبية ضد التقشف؟
شهدت تونس احتجاجات متكررة ضد التقشف، مع خروج الآلاف إلى الشوارع بسبب ارتفاع الأسعار والبطالة وتراجع الخدمات. وكان الاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT) من أبرز الأصوات الرافضة لهذه السياسات، حيث نظم إضرابات واسعة النطاق وطالب بحماية الحقوق الاجتماعية.
ومع ذلك، تستمر الحكومات في تنفيذ التقشف تحت ضغط المانحين الدوليين، مما يخلق حلقة مفرغة من الغضب الشعبي والاضطرابات السياسية. غياب الحوار بين السلطة والشعب يفقد المؤسسات الرسمية مصداقيتها ويزيد من صعوبة الإصلاح.
ما هي الآثار طويلة المدى للتقشف على التماسك الاجتماعي؟
التقشف لا يضر الاقتصاد فقط، بل يضرب وحدة المجتمع. فمع تفاقم الفجوة الاجتماعية وانهيار الخدمات العامة، يفقد المواطنون الثقة في الدولة، وتضعف الروابط الاجتماعية.
في بلد قامت ثورته على مطالب الكرامة والعدالة والعمل، يمثل التقشف خيانة لتلك المبادئ. إذ يشعر الشباب أن تضحيات 2011 ذهبت سدى دون تحقيق العدالة الاجتماعية.
كيف تنهار قطاعات الصحة والتعليم تحت ضغط التقشف؟
الصحة والتعليم في تونس ينهاران نتيجة التقشف. فالمستشفيات مكتظة وفقيرة بالإمكانيات، مع نقص حاد في الأدوية والأطباء.
أما المدارس، فتعاني من أعداد ضخمة من الطلاب في الفصول، ونقص المعلمين والموارد، مما يضعف جودة التعليم. وبالنسبة للأطفال من العائلات الفقيرة، يعني هذا ضياع فرصة الخروج من دائرة الفقر.
هل يوجد بدائل للتقشف؟
هناك خبراء يؤكدون أن تونس يمكن أن تتجنب التقشف عبر إصلاحات عادلة، مثل فرض ضرائب تصاعدية، محاربة الفساد، والاستثمار في القطاعات المنتجة. ويجب فرض نظام ضريبي عادل يجبر الأغنياء والشركات الكبرى على دفع نصيبهم العادل.
أيضاً، الاستثمار في التعليم والصحة وخلق الوظائف يمكن أن ينشط الاقتصاد ويقلل الفقر. نهج تنموي عادل يعيد الأمل للطبقات الهشة ويعزز الاستقرار.
كيف يمكن حماية المجتمعات الهشة؟
أولوية تونس يجب أن تكون حماية الفئات الأضعف. ويتطلب هذا تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، وتوسيع الوصول إلى الصحة والتعليم، وضمان أن أي إصلاح اقتصادي لا يترك الفقراء وحدهم يواجهون الأزمة.
ويجب أن تلعب المجتمع المدني والنقابات دوراً محورياً في الدفاع عن سياسات عادلة ومراقبة الحكومة. كما يجب أن يكون للفئات الفقيرة صوت في صناعة القرار لضمان عدالة السياسات العامة.
ما هو مستقبل تونس إذا استمر التقشف؟
إذا واصلت تونس سياسة التقشف، ستواجه خطر انفجار اجتماعي، وانهيار اقتصادي، وفوضى سياسية.
لكن إذا اختارت سياسات بديلة قائمة على العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة، يمكنها استعادة روح الثورة وبناء مجتمع أكثر عدلاً يوفر الكرامة لكل المواطنين.


