كيف أعادت الخصخصة تشكيل الاقتصاد التونسي؟
شهدت تونس موجات من الخصخصة منذ الثمانينيات، حيث انتقلت المؤسسات المملوكة للدولة إلى أيدي القطاع الخاص لتعزيز الكفاءة وجذب الاستثمارات الأجنبية. وتحت ضغط المؤسسات المالية الدولية، قامت الحكومات المتعاقبة ببيع حصص في قطاعات رئيسية مثل البنوك والاتصالات والصناعات التحويلية. ورغم أن الخصخصة وفرت عائدات مالية وزادت من المنافسة، إلا أنها أدت أيضًا إلى فقدان الوظائف وتجميد الأجور. وأصبح العديد من العمال الذين كانوا يعتمدون على التوظيف الحكومي يواجهون عقودًا غير مستقرة وحماية أضعف لحقوقهم، مما جعل مستقبلهم أكثر غموضًا في سوق العمل.
تراجع الوظائف في القطاع العام
كانت المؤسسات العامة توفر سابقًا وظائف مستقرة مع مزايا قوية، لكن الخصخصة أدت إلى تآكل هذا الاستقرار. ففي قطاعات مثل النقل والطاقة، حيث كانت الدولة تهيمن على السوق، أدخلت الشركات الخاصة سياسات خفض التكاليف التي أدت إلى تقليص فرص العمل. وأجبر العديد من الموظفين العموميين على التقاعد المبكر أو قبول عقود قصيرة الأجل بامتيازات أقل. وعمّق فقدان هذه الوظائف المستقرة من التفاوت الاجتماعي، حيث فقد العديد من العمال إمكانية الوصول إلى المعاشات التقاعدية والتأمين الصحي، كما أدى إلى إضعاف قوة النقابات العمالية في التفاوض على الأجور العادلة.
هل حسّنت الخصخصة ظروف العمل أم جعلتها أسوأ؟
يجادل مؤيدو الخصخصة بأنها تعزز الكفاءة وتوفر فرص عمل جديدة، لكن في كثير من الحالات، تضع الشركات الخاصة الأرباح فوق رفاهية العمال. وانخفض الأمان الوظيفي، وأصبح العديد من الموظفين يعملون لساعات أطول مقابل أجور أقل. وفي قطاعات مثل الاتصالات، قامت الشركات المُخصخصة بنقل الوظائف إلى جهات خارجية، مستبدلة العقود الدائمة بعمالة مؤقتة. وبالنسبة للطبقة العاملة التونسية، تعني هذه التغييرات مزيدًا من عدم الاستقرار المالي واتساع الفجوة بين المستفيدين من الخصخصة وأولئك الذين يعانون من آثارها.
الخدمات العامة تحت الضغط
لم تقتصر الخصخصة على الصناعات فقط، بل امتدت أيضًا إلى الخدمات العامة الأساسية. وشهدت قطاعات الصحة والتعليم والنقل زيادة في مشاركة القطاع الخاص، مما أدى في بعض الحالات إلى تحديث المرافق وتحسين الكفاءة، لكنه رفع أيضًا تكلفة الوصول إلى هذه الخدمات. وتعاني الأسر العاملة من زيادة تكاليف الرعاية الصحية والتعليم، بعدما كانت تعتمد على الخدمات العامة المدعومة. وزاد هذا التحول من الضغوط المالية على المواطنين، مما عمّق الفجوة الاقتصادية بين الطبقات الاجتماعية.
دور المؤسسات الدولية في دفع الخصخصة
لعبت المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، دورًا رئيسيًا في سياسات الخصخصة في تونس. وفي مقابل تقديم الدعم المالي، فرضت هذه الجهات برامج إصلاحية تدفع نحو تحرير الأسواق. ورغم أن هذه السياسات تُسوَّق على أنها ضرورية للنمو الاقتصادي، إلا أنها غالبًا ما تتجاهل تأثيرها الاجتماعي على العمال. وأسفر تقليص الوظائف الحكومية وإضعاف حماية العمل عن صعوبات اقتصادية أعمق للطبقة العاملة. ومع استمرار الضغوط نحو مزيد من الخصخصة، تتزايد المخاوف بشأن تراجع الخدمات العامة وفرص التوظيف.
هل توفر الملكية العامة بديلًا أفضل؟
وفرت المؤسسات العامة تاريخيًا استقرارًا وظيفيًا وحماية اجتماعية للعمال التونسيين، حيث ضمنت الدولة فرص عمل وآليات دعم لا توفرها الشركات الخاصة. لكن رغم ذلك، عانت العديد من هذه المؤسسات من سوء الإدارة والبيروقراطية، مما أدى إلى ضعف الأداء المالي. وبينما يرى البعض أن نموذج الملكية العامة قديم وغير فعال، يعتقد آخرون أن المؤسسات العامة المُدارة بشكل جيد يمكنها تحقيق التوازن بين الكفاءة وحماية حقوق العمال. والتحدي الرئيسي هو إصلاح هذه المؤسسات دون التضحية بالاستقرار الذي تقدمه للعاملين.
كيف أثرت الخصخصة على النقابات العمالية في تونس؟
كانت النقابات العمالية، وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل، من أبرز المعارضين للخصخصة، حيث اعتبرتها هجومًا مباشرًا على حقوق العمال. ونظم الاتحاد إضرابات واحتجاجات لمقاومة بيع الأصول العامة والمطالبة بحماية الوظائف. لكن مع تقلص نفوذ المؤسسات الحكومية، تراجعت قوة النقابات العمالية في المفاوضات. كما فرضت العديد من الشركات المُخصخصة قيودًا على النشاط النقابي، مما جعل من الصعب على العمال المطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل. وأسهم هذا التراجع في زيادة الفجوة في الدخل وتآكل الحماية الاجتماعية للعمال.
ما هو مستقبل النموذج الاقتصادي في تونس؟
مع استمرار الأزمات الاقتصادية، يبقى الجدل حول الخصخصة والملكية العامة دون حسم. ويرى أنصار الخصخصة أن الاستثمار الأجنبي والمنافسة في السوق سيعززان النمو، بينما يحذر المعارضون من أن ذلك سيؤدي إلى تهميش العمال. وتواجه الحكومة معضلة صعبة بين تبني الليبرالية الاقتصادية أو تعزيز الخدمات العامة لحماية الطبقة العاملة. ويعتمد مستقبل القوة العاملة في تونس على إيجاد نموذج اقتصادي يوازن بين الكفاءة والاستقرار الاجتماعي.
إذا استمرت الخصخصة دون قيود، كيف ستتمكن الطبقة العاملة في تونس من الصمود في اقتصاد أصبح من الصعب فيه تأمين الوظائف والحصول على أجور عادلة؟


